فخر الدين الرازي
14
تفسير الرازي
و * ( أن ) * وصلت بالأمر لأنه فعل كسائر الأفعال ، ويجوز أن يكون معطوفاً على قوله * ( بالحق ) * ( المائدة : 48 ) أي أنزلناه بالحق وبأن أحكم ، وقوله : * ( ولا تتبع أهواءهم ) * قد ذكرنا أن اليهود اجتمعوا وأرادوا إيقاعه في تحريف دينه فعصمه الله تعالى عن ذلك . المسألة الثانية : قالوا : هذه الآية ناسخة للتخيير في قوله * ( فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ) * ( المائدة : 42 ) . المسألة الثالثة : أعيد ذكر الأمة بالحكم بعد ذكره في الآية الأولى إما للتأكيد ، وإما لأنهما حكمان أمر بهما جميعاً ، لأنهم احتكموا إليه في زنا المحصن ، ثم احتكموا في قتيل كان فيهم . ثم قال تعالى : * ( واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك ) * . قال ابن عباس : يريد به يردوك إلى أنوائهم ، فإن كل من صرف من الحق إلى الباطل فقد فتن ، ومنه قوله * ( وإن كادوا ليفتنونك ) * ( الإسرار : 73 ) والفتنة ههنا في كلامهم التي تميل عن الحق وتلقى في الباطل وكان صلى الله عليه وسلم يقول : " أعوذ بك من فتنة المحيا " قال هو أن يعدل عن الطريق . قال أهل العلم : هذه الآية تدل على أن الخطأ والنسيان جائزان على الرسول ، لأن الله تعالى قال : * ( واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك ) * والتعمد في مثل هذا غير جائز على الرسول ، فلم يبق إلا الخطأ والنسيان . ثم قال تعالى : * ( فإن تولوا ) * أي فإن لم يقبلوا حكمك * ( فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : المراد يبتليهم بجزاء بعض ذنوبهم في الدنيا ، وهو أن يسلطك عليهم ، ويعذبهم في الدنيا بالقتل والجلاء ، وإنما خصّ الله تعالى بعض الذنوب لأن القوم جوزوا في الدنيا ببعض ذنوبهم ، وكان مجازاتهم بالبعض كافياً في إهلاكهم والتدمير عليهم ، والله أعلم . المسألة الثانية : دلت الآية على أن الكل بإرادة الله تعالى ، لأنه لا يريد أن يصيبهم ببعض ذنوبهم إلا وقد أراد ذنوبهم ، وذلك يدل على أنه تعالى مريد للخير والشر . ثم قال تعالى : * ( وإن كثيراً من الناس لفاسقون ) * لمتمردون في الكفر معتدون فيه ، يعني أن التولي عن حكم الله تعالى من التمرد العظيم ولاعتداء في الكفر . ثم قال تعالى : * ( أفحكم الجاهلية يبغون ) *